رجعت من المأتم حيث واريت إبنة أختى ثرى قرية كفر شبين بالقليوبية. ورغم الأحزان التي تملأ القلوب، ودموع الفقد التي تنهمر كالمطر، والدعوات التي ترجو الله المغفرة والرحمة، إلا أن كلمات عابرة من إحدى السيدات محدودات الدخل، ظلت تدوي في أذني كالبرق الصاعق منذ أن سمعتها، فلم أستطع لها تجاهلا! ماذا تفعل حكومة مصطفى مدبولي بالناس؟ أهكذا يقل الإحساس بمعاناتهم وبـ"فقرهم" ومحدودية دخولهم؟ كيف تسمح الحكومة ووزراؤها المعنيون ومحافظوها والقائمون على أمر الجهات الخدمية فيها، بهذا العبث بمقدرات الناس؟ " طظ" في الميكنة، إن كانت تتسبب في بيع الناس للناس! نعم الحكومة تفعل ذلك بتجرؤ غير مسبوق عليهم.. مقابل ماذا؟ مجرد "أوراق رسمية "! خالتي اسمها رسمية فعلا، لذلك لا يحق لك أن تتهكم.. فما أود قوله لك هو: صدق أو لا تصدق.. في السجل المدني - قرية سنورس بالفيوم نموذجا - انت مجبر على دفع رسوم استخراج الأوراق الرسمية بالفيزا! لماذا؟ لو كان متاحا الدفع بـ "كارت بنكي" ATM أو "كارت بريدي" - أغلب الناس يتلقون معاشاتهم عبر البريد - لكان ممكنا أن يتم الأمر بسهولة، لكن من قال ان الناس جميعا لديهم "فيزا"؟! من هو جهبذ الجهابذة الذي اخترع او "افتكس" هذه الافتكاسة الشريرة؟ المجبرون على الدفع بالفيزا في السجل المدني، خلقوا - رغما عنهم - وظيفة جديدة.. لمصاصي دماء جدد، يسترزقون من "السحت"، بتأجير هذه الأداة لمن يملكونها مقابل رسوم باهظة.. تصاعدية، كل حسب ورقته، فمن يطلب منه الدفع بالفيزا مبلغا مقداره (٣٥) جنيها ثمنا لاستخراج شهادة ميلاد، يفاجأ بأنه مطالب يدفع عنها رسوما أخرى "كاش" بمقدار ٢٥ جنيها!، ومن يريد استخراج قسيمة زواج (تكلف في الأصل ٤٥ ج)، مع ٣ شهادات ميلاد تبلغ قيمتها الإجمالية (١٠٥) ج فقط ، يجد ان هذا الإجمالي قفز من ١٥٠- بعد استئجار الفيزا - إلى ٢٦٠ جنيها.. أي أن بياعي الفيزا يحصلون على ١١٠ جنيهات وهمه قاعدين لا شغله ولا مشغله.. تماما مثل من كانوا يباهون زمان بأن مهنتهم هي "أصحاب أطيان"!
ماهذه المهنة الجديدة التي يبيع الناس فيها وسيلة مخترعة بقرارات غريبة او متسرعة من الدولة - أو من النظم المصرفية العالمية - حيث يجدون أنفسهم مستنزفون ماليا في بند جديد عليهم، وكأنه لايكفي ما ينوؤون بحمله من جبال الهموم والأحمال.. فتترتب عليهم التزامات جديدة، عندما يضطرون لاستخدام هذه الوسيلة - المتقدمة - ليدفعوا الرسوم بواسطتها، بينما هم متأخرون عمليا وفعليا في حياتهم المعيشية! هل هذا معقول؟ من دون رحمة أو هوادة أو مواساة، من لا يستطيع استئجار الفيزا ممن يبيعونها، أو لا يقدرون على دفع الرسوم الكبيرة المطلوبة، عليه أن يغادر السجل المدني غير مأسوف على معاملته! هل أنتم بهذا الشكل تسهلون على الناس؟ هل تعتقدون أنكم "تميكنون "النظم وتمنعون الرشاوي بهذا الشكل؟ أبدا.. كل ماهنالك أنكم نقلتم فسادا من شخص إلى آخر، وقد يلتف هو نفسه ويصبح "بياع الفيزا" من الباب الخلفي! وبدلا من أن يفتح درجه يفتح حسابا، ويصطنع الفيزا ويؤجرها للناس، وبالتالي تأخذ الدولة حسابها إليكترونيا، ومن باع الهواء الإليكتروني يتقاضاه "كاش" وفوقه رسوما هو يحددها، بل وغرامات! وتقول إحداهن: نحصل على إيصال عن المعاملات لانستطيع قراءة مافيه ولا بنوده محددة ولا رسومه، فماذا عن الجهلاء والأميين الذين لا يفكون الخط.. ماذا يفعل بهم مصاصو الدماء؟ تخيلوا أنتم!
في أي شرع أو دين أو ملة - ملة أبوكم اسمها إيه؟- يمكن قبول هذا التفكير؟ كل يوم والناس مذهولة من هذا الإجراء، في غيبة الصحافة غيابا قسريا، حيث معاناة الناس تنعى ندرة من يعبرون عنها.. "من يجرؤ على الكلام" نقل هذه المعاناة يتهدده خطر عظيم! لا أحد يسمع صوتهم.. ومع هذا هناك من الإعلاميين من يستنبط الغضب الشديد عندهم، فيستحثهم على الصبر والاحتمال من دون ان يفكر في أسباب زيادة المعاناة، ويحث الحكومة على اجتثاثها، لأنها مثل التفاحة الفاسدة!
قيمة الصحافة أنها تنقل معاناة المجتمعات لأولي الأمر، ومن دون الصحفيين فلن تعرف الدولة. قد يمنع الرقيب لدواعي تراها السلطة أمنا قوميا، فلماذا لا يسمح الرقيب بالتعبير عن معاناة الناس من أخطاء الحكومة.. حتى تصلح اعوجاجها! لا أصدق أن وزيرا معنيا أو محافظا مختصا أو مسؤولا عن السجل المدني يعرف بهذا الخطآ المتكرر يوميا ويتركه يستشري، رغم أنه يضر بمصالح الجموع، الذين انخفضت قيمة جنيهاتهم وتآكلت، ورغم هذا تتفنن الدولة في إهدار قروشهم القليلة!
ما الذي يتعب فيه بياع الفيزا؟ لاشيء يذكر، سوى أنه يبيع المعاناة ويتاجر بها. ما علاقة الشعب بقرار الدولة تحصيل الرسوم آليا؟ كان لا بد للحكومة أن تستعد لهذا الإجراء أصلا، فلا تكبدنا مثل هذه الرسوم الفادحة، من قبل بعض آكلي المال السحت ومن دون جهد يذكر، فقط هي ثغرة في نظم التحصيل خلقت وظيفة جديدة هي بياع الفيزا! "بتاع" الفيزا هذا طالع نقبه على شونة.. لكنها ليست خاوية كما يقولون، وليست فارغة، وإنما هي مليئة بأموالنا، وبالتالي فهم طالعين واكلين نازلين واكلين، واكلينها حلاوة وبقلاوة..
أليس هناك من يبرق إلى الرئيس مادام كلام الصحافة ليس ممكنا او مستساغا؟ لا تقل لي أنت صحفي وكتبت "وتُرِكت" تقول وتندد وتهاجم، من دون أن يفعل لك أحد شيئا وأقول أنني تُرِكتٌ ككاتب مقال، يمكنني أن ألمس مثل هذه المعاناة، وكان يمكن ألا أختار هذا التعبير عن هذه المعاناة تحديدا إلى غيرها، فالمعاناة كثيرة، فرغم أن بيع الفيزا إجراء قائم ومتبع منذ مدة، لكنني لم أعرف به إلا من إحدى السيدات؟ صحيح انني تعاملت مع الشهر العقاري بالفيزا، ولأنني أملك واحدة فلم اعرف مايحدث! بثتني همومها وهموم العاديين، وهي تكاد تبكي، لأنها دفعت رسوما ترى أنها غير مستحقة، لشخص ما لمجرد أنه يمتلك فيزا للإيجار، وأما أكبر الجرائم فإن هذا "البياع" الرجل يستطيع أيضا فرض غرامة تأخير على مستأجر الفيزا، إذا تاخر مستخدمها عن الوقت الذي يحدده له، لأنها على حد قوله أفقدته أموالا كان بإمكانه أن يكسبها! موت وخراب ديار!
---------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






